ما الحكمة من تكرار قوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ 31 مرة في سورة الرحمن؟

ما الحكمة من تكرار قوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ 31 مرة في سورة الرحمن؟
تُعد سورة الرحمن من أعظم سور القرآن الكريم وأكثرها تأثيرًا في النفوس، حتى لُقبت بـ”عروس القرآن” لما تحمله من بلاغة وجمال وروعة في الأسلوب. ومن أكثر ما يلفت انتباه قارئ السورة أو مستمعها تكرار قوله تعالى:
﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾
إذ وردت هذه الآية الكريمة 31 مرة في سورة الرحمن، وهو تكرار ليس عبثًا، بل يحمل حكمًا عظيمة وأسرارًا بلاغية وإيمانية تدعو الإنسان إلى التأمل والتدبر.
معنى الآية الكريمة
المقصود بكلمة “آلاء” هو النعم والعطايا والقدرات العظيمة التي أنعم الله بها على عباده، سواء كانت نعمًا ظاهرة كالماء والرزق والشمس والقمر، أو نعمًا باطنة كالإيمان والهداية والعقل.
أما قوله تعالى “ربكما” فهو خطاب موجَّه إلى الثقلين: الإنس والجن، لأن السورة تخاطبهما معًا وتدعوهما إلى الاعتراف بفضل الله وعدم جحود نعمه.
ويصبح معنى الآية:
أي نعمة من نعم ربكما تستطيعان إنكارها أو تكذيبها؟
لماذا تكررت الآية 31 مرة؟
تكرار هذه الآية ليس مجرد إعادة للألفاظ، وإنما هو أسلوب قرآني بديع يحمل العديد من الحكم، منها:
أولًا: التأكيد على كثرة نعم الله
كلما ذكرت السورة نعمة من نعم الله أو مشهدًا من مشاهد قدرته، أعقبتها بهذا السؤال العظيم:
﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾
وكأنها تقول للإنسان والجن:
بعد كل هذه النعم… هل بقي مجال للإنكار؟
فالتكرار يرسخ في القلب أن نعم الله لا تُحصى ولا تُعد.
ثانيًا: دعوة إلى التفكر
الإنسان قد يعتاد النعمة حتى ينساها، فيأتي هذا السؤال بعد كل نعمة ليوقظ القلب من الغفلة.
فعندما يقرأ المؤمن عن خلق الإنسان، أو عن الشمس والقمر، أو عن البحار، أو عن الثمار، أو عن الجنة، ثم يسمع:
﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾
يتوقف تلقائيًا ليتأمل فيما أنعم الله به عليه.
ثالثًا: أسلوب بلاغي يزيد التأثير
يعرف علماء البلاغة هذا النوع من التكرار بأنه من أساليب التقرير والتوكيد.
فالهدف ليس مجرد إعادة الجملة، وإنما تثبيت المعنى في النفس حتى يصبح حاضرًا في القلب والعقل.



