ما الحكمة من تكرار قوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ 31 مرة في سورة الرحمن؟

ولهذا نجد أن التكرار في القرآن يأتي دائمًا لحكمة، وليس لمجرد التكرار.
رابعًا: إقامة الحجة على الإنس والجن
سورة الرحمن تعرض الأدلة على قدرة الله، ثم تكرر هذا السؤال حتى لا يبقى عذر لمن يكذب أو يجحد.
فبعد كل دليل تأتي الآية وكأنها تقول:
ما الذي يدفعكما إلى التكذيب بعد كل هذه البراهين؟
خامسًا: التذكير بنعم الدنيا والآخرة
الآية لم تتكرر بعد ذكر نعم الدنيا فقط، بل جاءت أيضًا بعد وصف الجنة ونعيمها، وبعد ذكر أهوال القيامة، لتؤكد أن رحمة الله وعدله وقدرته كلها من آلائه التي تستوجب الإيمان والشكر.
لماذا العدد 31 تحديدًا؟
لم يرد في القرآن الكريم أو في السنة النبوية الصحيحة نص يبين سبب اختيار العدد 31 تحديدًا، لذلك لا يجوز الجزم بحكمة عددية معينة دون دليل.
لكن العلماء بينوا أن هذا العدد جاء وفق البناء البلاغي لسورة الرحمن، بحيث يتكرر السؤال بعد كل مجموعة من النعم أو المشاهد لتأكيد الرسالة الأساسية للسورة، وهي تذكير الإنس والجن بفضل الله وإقامة الحجة عليهما.
ولذلك ينبغي الحذر من تداول تفسيرات أو حسابات عددية تُنسب إلى القرآن دون دليل صحيح.
ماذا كان رد الجن عند سماع السورة؟
ورد في الحديث أن النبي ﷺ قرأ سورة الرحمن على أصحابه، فلم يجيبوه، فقال:
«لقد قرأتها على الجن ليلة الجن، فكانوا أحسن مردودًا منكم، كنت كلما أتيت على قوله: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ قالوا: لا بشيء من نعمك ربنا نكذب، فلك الحمد.»
وهو حديث حسنه عدد من أهل العلم.
ويُستفاد منه استحباب استحضار نعم الله عند سماع هذه الآية، والإقرار بفضله وشكره.
دروس مستفادة من تكرار الآية
- أن نعم الله لا يمكن حصرها أو عدها.
- أن شكر النعم سبب لزيادتها وبركتها.
- أن التفكر في خلق الله يزيد الإيمان ويقوي اليقين.
- أن القرآن يستخدم التكرار لهدف تربوي وبلاغي عظيم.
- أن المؤمن ينبغي أن يقابل نعم الله بالحمد والطاعة، لا بالغفلة والجحود.
- أن سورة الرحمن تعلم الإنسان والجن معًا الاعتراف بفضل الخالق سبحانه.
يبقى تكرار قوله تعالى ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ من أروع صور الإعجاز البلاغي في القرآن الكريم، فهو سؤال يتردد في السورة ليوقظ القلوب ويجدد الشعور بعظمة الله وكثرة نعمه. وليس المقصود مجرد التكرار، بل هو دعوة متجددة بعد كل نعمة وكل مشهد إلى أن يعترف الإنسان والجن بفضل الله، وأن يدركا أن كل ما يحيط بهما من خير ورحمة وقدرة إنما هو من آلاء الله التي لا يجوز إنكارها أو جحودها.





